الجصاص

504

أحكام القرآن

" إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار " قلت : يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول ؟ قال : " إنه كان حريصا على قتل صاحبه " . وروى معمر عن الحسن قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن ابني آدم ضربا لهذه الأمة مثلا فخذوا بالخير منهما " . وروى معمر عن أبي عمران الجوني عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كيف بك يا أبا ذر إذا كان بالمدينة قتل ؟ " قال : قلت : ألبس سلاحي ، قال : " شاركت القوم إذا " قال : قلت : فكيف أصنع يا رسول الله ؟ قال : " إن خشيت أن يبهرك شعاع السيف فألق ناحية ثوبك على وجهك يبوء بإثمك وإثمه " . فاحتجوا بهذه الآثار ، ولا دلالة لهم فيها . فأما قول النبي صلى الله عليه وسلم : " إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار " فإنما أراد بذلك إذا قصد كل واحد منهما صاحبه ظلما على نحو ما يفعله أصحاب العصبية والفتنة . وأما قوله صلى الله عليه وسلم : " إن استطعت أن تكون عبد الله المقتول فافعل ولا تقتل أحدا من أهل القبلة " فإنما عنى به ترك القتال في الفتنة وكف اليد عن الشبهة ، فأما قتل من استحق القتل فمعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينفه بذلك . وأما قوله صلى الله عليه وسلم : " كن كخير ابني آدم " فإنما عنى به أن لا يبدأ بالقتل ، وأما دفع القاتل عن نفسه فلم يمنعه . فإن احتجوا بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث : كفر بعد إيمان ، وزنا بعد إحصان ، وقتل نفس بغير نفس " فلا يجوز قتله قبل أن يقتل ، بقضية نفي النبي صلى الله عليه وسلم قتل المسلم إلا بإحدى ما ذكر ، وهذا لم يقتل بعد فلا يستحق القتل . قيل له : هذا القاصد لقتل غيره ظلما داخل في هذا الخبر ، لأنه أراد قتل غيره ، فإنما قتلناه بنفس من قصد لقتله لئلا يقتله فأحيينا نفس المقصود بقتلنا إياه ، ولو كان الأمر في ذلك على ما ذهبت إليه هذه الطائفة من حظر قتل من قصد قتل غيره ظلما والإمساك عنه حتى يقتل من يريد قتله ، لوجب مثله في سائر المحظورات إذا أراد الفاجر ارتكابها من الزنا وأخذ المال أن نمسك عنه حتى يفعلها ، فيكون في ذلك ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واستيلاء الفجار وغلبة الفساق والظلمة ومحو آثار الشريعة ، وما أعلم مقالة أعظم ضررا على الاسلام والمسلمين من هذه المقالة ، ولعمري إنها أدت إلى غلبة الفساق على أمور المسلمين واستيلائهم على بلدانهم حتى تحكموا فحكموا فيها بغير حكم الله ، وقد جر ذلك ذهاب الثغور وغلبة العدو حين ركن الناس إلى هذه المقالة في ترك قتال الفئة الباغية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإنكار على الولاة والجوار والله المستعان . ويدل على صحة قول الجمهور في ذلك وأن القاصد لقتل غيره ظلما يستحق القتل وأن على الناس كلهم أن يقتلوه ، قوله تعالى : ( من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه